علم المعاني الايجاز والإطناب والمساواة
الايجاز والإطناب والمساواة
الايجاز والإطناب والمساواة من الأساليب التى لا تتضح كثيرا إلّا بالحديث عن أنواعها وعرض أمثلتها، لأنّ الاتفاق على مقياس يلجأ إليه الدارسون من الأمور الصعبة.
الايجاز- لغة-: التقصير، تقول: أوجزت الكلام، أى: قصرته وكلام موجز من أوجز.
والايجاز- اصطلاحا- أن يكون اللفظ أقل من المعنى، مع الوفاء به وإلّا كان إخلالا يفسد الكلام
وهذا الأسلوب من أهم خصائص اللغة العربية فى القديم، فقد كان العرب لا يميلون إلى الاطالة والشرح والإسهاب، وكانوا يعدون الإيجاز هو البلاغة، فأكثم بن صيفى يرى أنّ البلاغة هى الايجاز، وكان جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: «إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا» (وفعلوا مثل ذلك فى القصائد، وقد قيل لبعضهم: مالك لا تزيد على أربعة واثنين؟
قال: هنّ بالقلوب أوقع وإلى الحفظ أسرع وبالألسن أعلق، وللمعانى أجمع وصاحبها أبلغ وأوجز. وقيل لآخر: ألا تطيل القصائد، فقال:
أبى لى أن أطيل الشعر قصدى … إلى المعنى وعلمى بالصواب
وإيجازى بمختصر قريب … حذفت به الفضول من الجواب
فأبعثهنّ أربعة وستا … مثقفة بألفاظ عذاب
خوالد ما حدا ليل نهارا … وما حسن الصبا بأخى الشباب
وهنّ إذا وسمت بهن قوما … كأطواق الحمائم فى الرّقاب
وكنّ إذا أقمت مسافرات … تهاداها الرواة مع الركاب
وفى هذه الأبيات خلاصة لأغراض الإيجاز، فبه يصل المتكلم إلى هدفه من غير تمهيد أو زيادة لا يقتضيها المعنى، وبه يأتى الكلام قصيرا يسهل حفظه وروايته، وهذا ما يبدو واضحا فى الأمثال والخطب والشعر، وبهذا
الأسلوب أيضا تصل المعانى إلى القلب فى أسرع ما يكون وتؤثر فيه فيهتز طربا إن كان الكلام مما يسر، وينفعل ويتجهم إن كان مما لا يسر.
وكان لهذه الصفة التى أولع بها العرب أن اهتم البلاغيون والنقاد بأسلوب الايجاز، ووضعوا له حدودا وأقساما، وبينوا مواضعه،
وقال إنّ العرب إلى «الايجاز أقبل وعن الإكثار أبعد»، وضرب مثلا بالقرآن الكريم وما فيه
وهو: «الإيجاز هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف»
أنّ المساواة لا تتضح إلّا بعد دراسة الأسلوبين الآخرين ومعرفتهما معرفة دقيقة، ولكنه قدّم الكلام على المساواة لأنّها الأصل المقيس عليه، وهذا التقديم لا يخدم القياس لأنّ المساواة لا تعرف إلّا بعد معرفة الكلام المحذوف أو الزائد، وبذلك تكون الكلام الذى ليس فيه حذف أو زيادة.
وميز بين الكلام التام والناقص ولذلك قال إنّ «واف» احتراز عن الإخلال، وهو أن يكون اللفظ قاصرا عن أداء
المعنى، كقول عروة بن الورد
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم … ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
فانه أراد: إذ يقتلون نفوسهم فى السلم.
وقول الحارث بن حلزة:
والعيش خير فى ظلا … ل النّوك ممن عاش كدّا
فانه أراد: العيش الناعم فى ظلال النوك خير من العيش الشاق فى ظلال العقل، فأخلّ بالمعنى.
فوائد الايجاز
واحترز فى الزيادة وقال إنّها لفائدة، لكى لا يدخل فيها:
من فوائد الايجاز التطويل: وهو أن لا يتعين الزائد فى الكلام، كقول عدى بن زيد العبادى:
- وقددت الأديم لراهشيه … وألفى قولها كذبا ومينا
فان الكذب والمين واحد.
من فوائد الايجاز الحشو: وهو ما يتعين أنّه الزائد، وهو نوعان:
- الأول: ما يفسد المعنى، كقول المتنبى:
ولا فضل فيه للشجاعة والنّدى وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
فانّ لفظ «الندى» فيه حشو يفسد المعنى، لأنّ المعنى أنّه لا فضل فى الدنيا للشجاعة والصبر والندى لولا الموت، وهذا الحكم صحيح فى الشجاعة دون الندى، لأنّ الشجاع لو علم أنّه يخلد فى الدنيا لم يخش الهلاك فى الإقدام فلم يكن لشجاعته فضل بخلاف الباذل ماله فإنه إذا علم أنّه يموت هان عليه بذله.
الثانى: ما لا يفسد المعنى، كقول الشاعر:
ذكرت أخى فعاودنى … صداع الرأس والوصب
فانّ فى لفظ «الرأس» حشوا لا فائدة فيه لأنّ الصداع لا يستعمل إلّا فى الرأس، وليس بمفسد