📁 آخر الأخبار

الاستطراد وإيهام الاستطراد

الاستطراد وإيهام الاستطراد

.تَجِدُ أحيانا مَن يتكلم معك في موضوعٍ، ثم ينتقل منه إلى موضوعٍ آخر، غيرَ أنه لا يقصد هذا (الموضوع الثاني) ولا الانتقالَ إليه، وهذا يُسمَّى (الاستطراد).


وأحيانا يكون (الموضوعُ الثاني) الذي يَنتقل إليه هو المقصود الأوحد له، لكنه يبدأ بمقدمة يوهمك فيها أنها مقصودُه، وهذا هو الجدير بأن يُسمَّى (إيهامَ الاستطراد).


ومثَّلوا لـ(الاستطراد) بقول الحماسي الجاهلي (السموأل):

وإنا لَقومٌ لا نرى القتلَ سُبَّةً

. إذا ما رأته عامرٌ وسَلولُ


مُرادُه مدحُ قبيلته، واستطرد إلى ذَمِّ قبيلتَيْ: عامر، وسَلول.


ومثَّلوا لـ(إيهام الاستطراد) بقول مَن كان قصدُه مدحَ أحدهم، لكنه بدأ بِذِكْرِ (الخيانة) لينتقل منها إلى (مدحه)، قال أبو إسحاق الصابي فيمن لُقِّبَ بـ(سيف الدولة):


إنْ كنتُ خُنْتُك في المودَّةِ ساعةً    

. فَذَمَمْتُ سيفَ الدولة المَحمودا

وزعمتُ أنَّ له شريكًا في العُلا    

. وجَحَدتُهُ في فضلِه التوحيدا

قَسَما لو انِّي حالفٌ بِغَمُوسِها    

. لِغَريمِ دَيْنٍ ما أراد مَزِيدَا


وقد ذكَّرني بهذا (الاستطراد) جارٌ لي قاهريٌّ فاضلٌ، يُحبُّ الطاعةَ والعبادة، عرفتُه في المسجد، أحسب أنّه ممن قيل فيهم: (رجلٌ قلبه معلَّقٌ بالمساجد)، قال ما معناه:


(ابنتي طالبة في الفرقة الثانية بكلية الطب البشري بجامعة القاهرة، وهي الآن مختمرة، وتريد لبس النقاب، فما رأيك؟


قلتُ له: مبلغ علمي أنّ كلاهما رأيٌ معتمَدٌ عند الفقهاء، له أدلتُه وأحوالُه.


ولكنني عجبتُ من تصميم الطالبة على زيادة التستر والحشمة، لكنني سرعان ما زال عجبي بهذا البيت الذي نشأت فيه تلك الشابة الطموحة التي ترجو الله وحده والدار الآخرة، ما عساه أن يُخَرِّجَ مثلُ هذا الوالد التقي الورع، الذي قلبُه مُعلَّقٌ بالمساجد؟!


وبعد انتهاء الحوار بيني وبين هذا الجار الطيب الصالح، تطرق ذهني –بسبب موضوع حديثه هذا- إلى شاهدٍ من شواهدِ (الاستطراد القرآني الأعظم)، فحمدتُ الله على حسن اختيار علمائنا الأوائل شواهدَهم التي يُطَبِّقون عليها قواعدَهم؛ فكم هي نافعة على كل من الجانب الاجتماعي، والديني، والخُلُقي، وغير ذلك، ودعوتُ لهم من قلبي بالرحمة والمغفرة.


الشاهد البلاغي الذي ذكَّرني به حِوارُ هذا الوالد الصالح هو قوله تعالى: 


(يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).


 فقد جاء هذا الحديثُ عن (اللباس) استطرادًا عن الحديث عن الشيطان، وما وقع منه مِن إغراءٍ لأبينا آدم -عليه السلام- وأمنا حواء، وكيف بدتْ لهما سؤآتُهما وانكشفت، وكيف أخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة!


  لقد استطرد القرآنُ الكريمُ من الحديث عن (ذِكْرِ السؤآت وخصف الورق عليها) إلى الحديث عن (اللباس)؛ لِيُبَيِّنَ لكل ذي عقل أن (اللباسَ) من أجَلِّ النِّعم التي أنعم الله بها على الآدميين، وليبين لهم كم في العُري وكشفِ العورة مِن المهانة والفضيحة والخذلان، فضلا عن أنّ التستر بابٌ عظيمٌ من أبواب التقوى.


هذا هو (الاستطراد) الأعظم:

 معانٍ راقية، ومقاصد شريفة.


 قال -تعالى: (...فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ - قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ - قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ). صدق الله العظيم.

اللهم اهدنا واهد بنا، 

. واقبلنا وتقبّل منا، 

. واسترنا ولا تفضحنا.


. .اللهم آمين.


احمد الحسيني
احمد الحسيني
مصطفى خميس خريج كلية اللغة العربية جامعة الإسكندرية، لعيب كرة قدم سابق لدي نادي أهلي دمنهور، مدون ومحرر اخبار ومالك عدة مواقع إلكترونية.
تعليقات