منهج البحث اللغوي عند العرب
منهج البحث اللغوي
استطاع النّحاة العرب الأوّلون من ابتكار منهج علمي وآليات بحث، اختصوا بها عن غيرهم من الأمم، في عملية استقراء المدوّنة العربيّة واستنباط الأحكام والقواعد اللسانيّة منها. قال عبد الرحمن حاج صالح: «... أنّ ما لجأ إليه النحاة العرب القدامى أمثال الخليل وسيبويه بصفة خاصة (وغيرهم ممن سبقهما ومن جاء بعدهما) من الوسائل العقلية ووسائل البحث عامة هو شيء اختص به هؤلاء النحاة وانفردوا به... لأنّه لا يوجد ما يماثله تماما عند علماء اللغة السنسكريتية الهنود ممن ظهر قبل المسيح وبعده ولا عند الفلاسفة والنحاة اليونانيين».
كما اعتمد النحاة في بحوثهم المتعلقة باللسان العربي على عدد من الوسائل التحليليّة، التي قوامها الفكر والعقل، وذلك لإثبات مجموعة من الأصول اللسانيّة التي استخرجوها بالنظر في كلام العرب والخطاب أثناء استعماله اليومي.
جَمَعَ اللُّغَوِيُّون العَرَبِ النصوص التي توفرت لديهم في تلك الفترة المتقدمة من الزمن، على رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية، وأشعار العرب وخطاباتهم في الجاهلية، والفصيح من كلام العرب، فكانت هذه هي الخطوة الأولى في العملية اللّسانية وهي جمع المادة اللغوية عن طريق المشاهدة المباشرة للسلوك اللّساني عند المتكلم العربي الفصيح.
أطْلِقَ على هذا العمل مصطلح السماع اللغوي، الذي هو أهم عنصر للاستدلال عند النحاة العرب، وهو فعل الخروج إلى البوادي لجمع الكلام والفصيح من الألفاظ، عن طريق المشافهة والأخذ المباشر من أفواه الأعراب الفصحاء. قال الحاج صالح: «إنّ اعتماد النحاة على السماع من أفواه فصحاء العرب في زمن الفصاحة والسليقة، كان اعتمادا مطلقا وكلياً لا يتقيدون فيه بشيء إلا بصحة فصاحة الموردين (العرب الذين نُقِلَتْ من عندهم العربية) وصحة ما يُرْوَى عن سائر ما مضى من الفصحاء».