الإيجاز والإطناب والمساواة
الايجاز والإطناب والمساواة دراسة بلاغية
يتناول هذا المبحث الطرق الثلاث للتعبير عن المعاني في اللغة العربية وفقاً لعلم البلاغة: الإيجاز، الإطناب، والمساواة. هذه الطرق تشكل الأساس الذي يقوم عليه الكلام البليغ، شريطة مطابقته لمقتضى الحال وموطن الخطاب. فيما يلي تحليل مفصل لكل مبحث مع الشواهد والأمثلة.
1. المبحث الأول الإيجاز وأقسامه
الإيجاز هو التعبير عن معانٍ كثيرة بألفاظ قليلة وافية بالغرض، مع وضوح وإفصاح. يُعد الإيجاز ركيزة البلاغة، حيث يجمع المعاني العميقة في عبارات موجزة، كما في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، التي تشمل مكارم الأخلاق بألفاظ يسيرة، وقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».
- إذا أخلَّ الإيجاز بالمعنى: يصبح حذفاً رديئاً، كقول اليشكري: "والعيش خير في ظلال النوك ممن عاش كدّاً"، حيث نقص اللفظ عن إيصال المعنى (العيش الناعم مع الحمق خير من العيش الشاق مع العقل) فصار غير مقبول.
- أقسام الإيجاز:
- إيجاز القصر (إيجاز البلاغة): تضمين معانٍ كثيرة في ألفاظ قليلة دون حذف، كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]. المعنى: القصاص يردع عن القتل، فيحفظ الحياة ويطيل الأعمار. هذا القسم هو مطمح البلغاء، وقال أكثم بن صيفي: «البلاغة الإيجاز».
- إيجاز الحذف: حذف جزء من العبارة مع وجود قرينة تدل عليه، دون إخلال بالفهم. أنواعه:
- حذف حرف، كـ{وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} (أصلها: ولم أكن).
- حذف اسم مضاف، كـ{وَجَاهِدُوا فِي اللهِ} (أي: في سبيل الله).
- حذف مضاف إليه، كـ{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً} (أي: ثلاثين ليلة).
- حذف موصوف، كـ{وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا} (أي: عملًا صالحًا).
- حذف صفة، كـ{فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} (أي: مضافًا).
- حذف شرط، كـ{فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} (أي: إن تتبعوني).
- حذف جواب شرط، كـ{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} (أي: لرأيت أمرًا فظيعًا).
- حذف مسند، كـ{لَيَقُولُنَّ اللهُ} (أي: خلقهن الله).
- حذف مسند إليه، كقول حاتم: "أماويُّ ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر" (أي: النفس).
- حذف متعلق، كـ{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (أي: عما يفعلون).
- حذف جملة، كـ{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ} (أي: فاختلفوا فبعث).
- حذف جمل، كـ{فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} (أي: فأرسلوني إلى يوسف...).
- دواعي الإيجاز: الاختصار، تسهيل الحفظ، تقريب الفهم، ضيق المقام، إخفاء الأمر، الضجر، تحصيل المعنى الكثير بلفظ يسير.
- مواطن استحسان الإيجاز: الاستعطاف، شكوى الحال، الاعتذار، التعزية، العتاب، الوعد، الوعيد، التوبيخ، رسائل طلب الخراج، جباية الأموال، أوامر ونواهي الملوك، الشكر على النعم.
2. المبحث الثاني الإطناب وأقسامه
الإطناب هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، كتقوية المعنى أو توكيده، كقوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، أي: كبرت. إذا كانت الزيادة بلا فائدة تُسمى:
- تطويلاً: إذا لم تتعين الزيادة، كقول عدي العبادي: "وقدّدت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبًا ومينا"، حيث الكذب والمين مترادفان دون فائدة.
- حشوًا: إذا كانت الزيادة متعينة دون إفساد المعنى، كقول زهير: "وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي". كلاهما معيب في البلاغة.
- دواعي الإطناب: تثبيت المعنى، التوضيح، التوكيد، دفع الإيهام، إثارة الحمية.
- ذكر الخاص بعد العام: كـ{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]، للتنبيه على فضل صلاة العصر.
- ذكر العام بعد الخاص: كـ{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]، لشمول الجميع مع الاهتمام بالخاص.
- الإيضاح بعد الإيهام: كـ{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الصف: 10-11]، لتوضيح التجارة بالإيمان والجهاد.
- التوشيع: ذكر مثنّى مفسَّر بمفردين، كـ"العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان".
- التكرير: للتأكيد، كـ{كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 3-4]، أو لطول الفصل، كـ{رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا... رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، أو للاستيعاب، كـ"قرأت الكتاب بابًا بابًا"، أو للترغيب، كـ{وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا} [التغابن: 14].
- الاعتراض: جملة معترضة لغرض، كالدعاء (إني حفظك الله مريض)، أو التنبيه على فضيلة العلم، أو التنزيه، كـ{وَيَجْعَلُونَ لِلهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ} [النحل: 57].
- الإيغال: ختم الكلام بنكتة، كقول الخنساء: "وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار".
- التذييل: تعقيب جملة بأخرى مؤكدة، كـ{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]. ينقسم إلى: جارٍ مجرى الأمثال (كقول طرفة: "كلكم أروغ من ثعلب...")، وغير جارٍ (كقول النابغة: "لم يبق جودك لي شيئًا...").
- الاحتراس: دفع وهم، كقول طرفة: "فسقى ديارك غير مفسدها..."، أو {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8].
- التتميم: زيادة فضلة لتحسين المعنى، كقول ابن المعتز: "صببنا عليها ظالمين سياطنا..."، حيث "ظالمين" تضيف رقة للمعنى.
- مواطن استحسان الإطناب: الصلح بين العشائر، المدح، الهجاء، الوعظ، الإرشاد، الخطابة العامة، التهنئة، منشورات الحكومة، كتب الولاة.
3. المبحث الثالث المساواة
المساواة هي التعبير عن المعنى بعبارة مساوية له دون زيادة أو نقصان، وهي الأصل في الكلام. أمثلة:
- {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ} [البقرة: 110].
- {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21].
- قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
- قول طرفة: "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد".
اللفظ هنا يساوي المعنى بدقة، فلا يحتاج إلى حذف أو زيادة.
الخلاصة
الإيجاز، الإطناب، والمساواة هي الطرق الثلاث للتعبير في البلاغة العربية. الإيجاز يجمع المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة، والإطناب يزيد اللفظ لفائدة، والمساواة هي الأصل بتساوي اللفظ والمعنى. البلاغة تكمن في مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والذوق الأدبي هو المرجع في تحديد الموطن المناسب لكل طريقة. الشواهد القرآنية والنبوية والشعرية تبرز غنى اللغة العربية وقدرتها على التعبير الدقيق والمؤثر.
مقالات قد تهمك
المجرد والمزيد من الاسماء والافعال
قواعد الجمع في اللغة الإنجليزية pdf
رقية التعطيل فهد القرني مكتوبة pdf