باب التشهد في الصلاة
باب التشهد في الصلاة
فيه تَشَهُّد اِبْن مَسْعُود وَتَشَهُّد اِبْن عَبَّاس وَتَشَهُّد أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَازهَا كُلّهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَل مِنْهَا، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك أَنَّ تَشَهُّد اِبْن عَبَّاس أَفْضَل لِزِيَادَةِ لَفْظَة الْمُبَارَكَات فيه وَهِيَ مُوَافِقَة لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {تَحِيَّة مِنْ عِنْد اللَّه مُبَارَكَة طَيِّبَة} وَلِأَنَّهُ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: يُعَلِّمنَا التَّشَهُّد كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة مِنْ الْقُرْآن.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء، وَأَهْل الْحَدِيث: تَشَهُّد اِبْن مَسْعُود أَفْضَل لِأَنَّهُ عِنْد الْمُحَدِّثِينَ أَشَدّ صِحَّة، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيع صَحِيحًا.
وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: تَشَهُّد عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أَفْضَل لِأَنَّهُ عَلَّمَهُ النَّاس عَلَى الْمِنْبَر، وَلَمْ يُنَازِعهُ أَحَد، فَدَلَّ عَلَى تَفْضِيله وَهُوَ: التَّحِيَّات لِلَّهِ الزَّاكِيَات لِلَّهِ الطَّيِّبَات الصَّلَوَات لِلَّهِ سَلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ إِلَى آخِره.
وَاخْتَلَفُوا فِي التَّشَهُّد هَلْ هُوَ وَاجِب أَمْ سُنَّة؟ فَقَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَطَائِفَة: التَّشَهُّد الْأَوَّل سُنَّة، وَالْأَخِير وَاجِب.
وَقَالَ جُمْهُور الْمُحَدِّثِينَ: هُمَا وَاجِبَانِ.
وَقَالَ أَحْمَد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: الْأَوَّل وَاجِب، وَالثَّانِي فَرْض.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء: هُمَا سُنَّتَانِ.
وَعَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه رِوَايَة بِوُجُوبِ الْأَخِير.
وَقَدْ وَافَقَ مَنْ لَمْ يُوجِب التَّشَهُّد عَلَى وُجُوب الْقُعُود بِقَدْرِهِ فِي آخِر الصَّلَاة.
وَأَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَفيه لَفْظَة التَّشَهُّد سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلنُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَة.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّه هُوَ السَّلَام» فَمَعْنَاهُ أَنَّ السَّلَام اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وَمَعْنَاهُ السَّالِم مِنْ النَّقَائِض وَسِمَات الْحُدُوث وَمِنْ الشَّرِيك وَالنِّدّ، وَقِيلَ: الْمُسَلِّم أَوْلِيَاءَهُ وَقِيلَ: الْمُسَلِّم عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ.
وَأَمَّا التَّحِيَّات فَجَمْع تَحِيَّة وَهِيَ الْمِلْك، وَقِيلَ الْبَقَاء، وَقِيلَ الْعَظَمَة، وَقِيلَ الْحَيَاة، وَإِنَّمَا قِيلَ التَّحِيَّات بِالْجَمْعِ لِأَنَّ مُلُوك الْعَرَب كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ تُحَيِّيه أَصْحَابه بِتَحِيَّةٍ مَخْصُوصَة، فَقِيلَ: جَمِيع تَحِيَّاتهمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْمُسْتَحِقّ لِذَلِكَ حَقِيقَة.
وَالْمُبَارَكَات وَالزَّاكِيَات فِي حَدِيث عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِمَعْنًى وَاحِد، وَالْبَرَكَة كَثْرَة الْخَيْر، وَقِيلَ: النَّمَاء، وَكَذَا الزَّكَاة أَصْلهَا النَّمَاء، وَالصَّلَوَات هِيَ الصَّلَوَات الْمَعْرُوفَة.
وَقِيلَ: الدَّعَوَات وَالتَّضَرُّع، وَقِيلَ: الرَّحْمَة، أَيْ اللَّه الْمُتَفَضِّل بِهَا، وَالطَّيِّبَات أَيْ الْكَلِمَات الطَّيِّبَات.
وَقَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس: (التَّحِيَّات الْمُبَارَكَات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات) تَقْدِيره وَالْمُبَارَكَات وَالصَّلَوَات وَالطَّيِّبَات كَمَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَغَيْره، وَلَكِنْ حُذِفَتْ الْوَاو اِخْتِصَارًا وَهُوَ جَائِز مَعْرُوف فِي اللُّغَة وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ التَّحِيَّات وَمَا بَعْدهَا مُسْتَحَقَّة لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَصْلُح حَقِيقَتهَا لِغَيْرِهِ.
✯✯✯✯✯✯
609- وَقَوْله: «السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ» وَقَوْله فِي آخِر الصَّلَاة (السَّلَام عَلَيْكُمْ) فَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّعْوِيذ بِاَللَّهِ، وَالتَّحْصِين بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى، فَإِنَّ السَّلَام اِسْم لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى تَقْدِيره اللَّه عَلَيْكُمْ حَفِيظ وَكَفِيل، كَمَا يُقَال: اللَّه مَعَك أَيْ بِالْحِفْظِ وَالْمَعُونَة وَاللُّطْف، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ السَّلَامَة وَالنَّجَاة لَكُمْ، وَيَكُون مَصْدَرًا كَاللَّذَاذَةِ وَاللَّذَاذ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَسَلَام لَك مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين} وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَام الَّذِي فِي قَوْله: «السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ» يَجُوز فيه حَذْف الْأَلِف وَاللَّام فَيُقَال: سَلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَسَلَام عَلَيْنَا، وَلَا خِلَاف فِي جَوَاز الْأَمْرَيْنِ هُنَا، وَلَكِنَّ الْأَلِف وَاللَّام أَفْضَل، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي رِوَايَات صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم.
وَأَمَّا الَّذِي فِي آخِر الصَّلَاة وَهُوَ سَلَام التَّحْلِيل فَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فيه، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْأَمْرَيْنِ فيه هَكَذَا وَيَقُول: الْأَلِف وَاللَّام أَفْضَل، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْأَلِف وَاللَّام لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّام، وَلِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي التَّشَهُّد، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّام لِيَعُودَ التَّعْرِيف إِلَى سَابِق كَلَامه، كَمَا يَقُول: جَاءَنِي رَجُل فَأَكْرَمْت الرَّجُل.
قَوْله: (وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ)، قَالَ الزَّجَّاج، وَصَاحِب الْمَطَالِع، وَغَيْرهمَا: الْعَبْد الصَّالِح هُوَ الْقَائِم بِحُقُوقِ اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق الْعِبَاد.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلّ عَبْد لِلَّهِ صَالِح فِي السَّمَاء» فيه دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَلِف وَاللَّام دَاخِلَتَيْنِ عَلَى الْجِنْس تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق وَالْعُمُوم.
قَوْله: (وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله) قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: رَجُل مُحَمَّد وَمَحْمُود إِذَا كَثُرَتْ خِصَاله الْمَحْمُودَة.
قَالَ اِبْن فَارِس: وَبِذَلِكَ سُمِّيَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا يَعْنِي لِعِلْمِ اللَّه تَعَالَى بِكَثْرَةِ خِصَاله الْمَحْمُودَة أَلْهَمَ أَهْله التَّسْمِيَة بِذَلِكَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ يَتَخَيَّر مِنْ الْمَسْأَلَة مَا شَاءَ» فيه اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء فِي آخِر الصَّلَاة قَبْل السَّلَام، وَفيه أَنَّهُ يَجُوز الدُّعَاء بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُور الْآخِرَة وَالدُّنْيَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: لَا يَجُوز إِلَّا بِالدَّعَوَاتِ الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة، وَاسْتَدَلَّ بِهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير لَيْسَتْ وَاجِبَة، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وُجُوبهَا فِي التَّشَهُّد الْأَخِير، فَمَنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاته.
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر مُسْلِم زِيَادَة فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتك، وَلَكِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة لَيْسَتْ صَحِيحَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله: (حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَة) هُوَ بِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة سَاكِنَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة.
✯✯✯✯✯✯
612- قَوْله: (أُقِرَّتْ الصَّلَاة بِالْبِرِّ وَالزَّكَاة) قَالُوا: مَعْنَاهُ قُرِنَتْ بِهِمَا وَأُقِرَّتْ مَعَهُمَا وَصَارَ الْجَمِيع مَأْمُورًا بِهِ.
قَوْله: (فَأَرَمَّ الْقَوْم) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ سَكَتُوا.
قَوْله: (لَقَدْ رَهِبْت أَنْ تَبْكَعَنِي) هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فِي أَوَّله وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا أَيْ تُبَكِّتنِي بِهَا وَتُوَبِّخنِي، قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيمُوا صُفُوفكُمْ» أَمْر بِإِقَامَةِ الصُّفُوف، وَهُوَ مَأْمُور بِهِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة، وَهُوَ أَمْر نَدْب، وَالْمُرَاد تَسْوِيَتهَا وَالِاعْتِدَال فيها وَتَتْمِيم الْأَوَّل فَالْأَوَّل مِنْهَا، وَالتَّرَاصّ فيها، وَسَيَأْتِي بَسْط الْكَلَام فيها حَيْثُ ذَكَرَهَا مُسْلِم إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ لِيَؤُمّكُمْ أَحَدكُمْ» فيه الْأَمْر بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَكْتُوبَات، وَلَا خِلَاف فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ أَمْر نَدْب أَمْ إِيجَاب عَلَى أَرْبَعَة مَذَاهِب فَالرَّاجِع فِي مَذْهَبنَا وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، وَقَوْل أَكْثَر أَصْحَابنَا أَنَّهَا فَرْض كِفَايَة إِذَا فَعَلَهُ مَنْ يَحْصُل بِهِ إِظْهَار هَذَا الشِّعَار سَقَطَ الْحَرَج عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَرَكُوهُ كُلّهمْ أَثِمُوا كُلّهمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابنَا: هِيَ سُنَّة.
وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابنَا: هِيَ فَرْض عَيْن لَكِنْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَمَنْ تَرَكَهَا وَصَلَّى مُنْفَرِدًا بِلَا عُذْر أَثِمَ وَصَحَّتْ صَلَاته.
وَقَالَ بَعْض أَهْل الظَّاهِر هِيَ شَرْط لِصِحَّةِ الصَّلَاة.
وَقَالَ بِكُلِّ قَوْل مِنْ الثَّلَاثَة الْمُتَقَدِّمَة طَوَائِف مِنْ الْعُلَمَاء وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة فِي بَابهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» فيه أَمْر الْمَأْمُوم بِأَنْ يَكُون تَكْبِيره عَقِب تَكْبِير الْإِمَام، وَيَتَضَمَّن مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنْ لَا يُكَبِّر قَبْله وَلَا مَعَهُ بَلْ بَعْده، فَلَوْ شَرَعَ الْمَأْمُوم فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام نَاوِيًا الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ وَقَدْ بَقِيَ لِلْإِمَامِ مِنْهَا حَرْف لَمْ يَصِحّ إِحْرَام الْمَأْمُوم بِلَا خِلَاف؛ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاء بِمَنْ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بَلْ بِمَنْ سَيَصِيرُ إِمَامًا إِذَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِير.
وَالثَّانِيَة أَنَّهُ يُسْتَحَبّ كَوْن تَكْبِيرَة الْمَأْمُوم عَقِب تَكْبِيرَة الْإِمَام وَلَا يَتَأَخَّر، فَلَوْ تَأَخَّرَ جَازَ وَفَاتَهُ كَمَال فَضِيلَة تَعْجِيل التَّكْبِير.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا قَالَ: غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ» فيه دَلَالَة ظَاهِرَة لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ أَنَّ تَأْمِين الْمَأْمُوم يَكُون مَعَ تَأْمِين الْإِمَام لَا بَعْده.
فَإِذَا قَالَ الْإِمَام: وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ الْإِمَام وَالْمَأْمُوم مَعًا: آمِينَ، وَتَأَوَّلُوا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَام فَأَمِّنُوا قَالُوا: مَعْنَاهُ إِذَا أَرَادَ التَّأْمِين لِيَجْمَع بَيْنه وَبَيْن هَذَا الْحَدِيث.
وَهُوَ يُرِيد التَّأْمِين فِي آخِر قَوْله وَلَا الضَّالِّينَ فَيَعْقُب إِرَادَته تَأْمِينه وَتَأْمِينكُمْ مَعًا.
وَفِي آمِينَ لُغَتَانِ الْمَدّ وَالْقَصْر، وَالْمَدّ أَفْصَح، وَالْمِيم خَفِيفَة فيهمَا، وَمَعْنَاهُ اِسْتَجِبْ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى تَمَام الْكَلَام فِي التَّأْمِين وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي بَابه حَيْثُ ذَكَرَهُ مُسْلِم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمْ اللَّه» هُوَ بِالْجِيمِ أَيْ يَسْتَجِبْ دُعَاكُمْ، وَهَذَا حَثٌّ عَظِيم عَلَى التَّأْمِين فَيَتَأَكَّد الِاهْتِمَام بِهِ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الْإِمَام يَرْكَع قَبْلكُمْ وَيَرْفَع قَبْلكُمْ» فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ» مَعْنَاهُ اِجْعَلُوا تَكْبِيركُمْ لِلرُّكُوعِ وَرُكُوعكُمْ بَعْد تَكْبِيره وَرُكُوعه وَكَذَلِكَ رَفْعكُمْ مِنْ الرُّكُوع يَكُون بَعْد رَفْعه وَمَعْنَى تِلْكَ بِتِلْكَ أَنَّ اللَّحْظَة الَّتِي سَبَقَكُمْ الْإِمَام بِهَا فِي تَقَدُّمه إِلَى الرُّكُوع تَنْجَبِر لَكُمْ بِتَأْخِيرِكُمْ فِي الرُّكُوع بَعْد رَفْعه لَحْظَة فَتِلْكَ اللَّحْظَة بِتِلْكَ اللَّحْظَة وَصَارَ قَدْر رُكُوعكُمْ كَقَدْرِ رُكُوعه، وَقَالَ مِثْله فِي السُّجُود.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْد يَسْمَع اللَّه لَكُمْ» فيه دَلَالَة لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِمَامِ الْجَهْر بِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ، وَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَهُ فَيَقُولُونَ.
وَفِي دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَنْ يَقُول: لَا يَزِيد الْمَأْمُوم عَلَى قَوْله رَبّنَا لَك الْحَمْد، وَلَا يَقُول مَعَهُ: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ.
وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يَجْمَع بَيْنهمَا الْإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرِد لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنهمَا، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَسَيَأْتِي بَسْط الْكَلَام فيه فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَمَعْنَى: «سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ» أَيْ أَجَابَ دُعَاء مَنْ حَمِدَهُ.
وَمَعْنَى (يَسْمَع اللَّه لَكُمْ) يَسْتَجِبْ دُعَاءَكُمْ.
قَوْله: رَبّنَا لَك الْحَمْد هَكَذَا هُوَ هُنَا بِلَا وَاو، وَفِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع رَبّنَا وَلَك الْحَمْد، وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَبِحَذْفِهَا، وَكِلَاهُمَا جَاءَتْ بِهِ رِوَايَات كَثِيرَة.
وَالْمُخْتَار أَنَّهُ عَلَى وَجْه الْجَوَاز، وَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ.
وَلَا تَرْجِيح لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِخْتِلَافًا عَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَغَيْره فِي الْأَرْجَح مِنْهُمَا.
وَعَلَى إِثْبَات الْوَاو يَكُون قَوْله (رَبّنَا) مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْله تَقْدِيره سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ يَا رَبّنَا فَاسْتَجِبْ حَمْدنَا وَدُعَاءَنَا، وَلَك الْحَمْد عَلَى هِدَايَتنَا لِذَلِكَ.
قَوْله: (وَإِذَا كَانَ عِنْد الْقَعْدَة فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّل قَوْل أَحَدكُمْ التَّحِيَّات) اِسْتَدَلَّ جَمَاعَة بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يَقُول فِي أَوَّل جُلُوسه التَّحِيَّات، وَلَا يَقُول: بِسْمِ اللَّه، وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِدْلَال بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ قَالَ: فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّل، وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيَكُنْ أَوَّل.
وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (وَفِي حَدِيث جَرِير عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ قَتَادَة مِنْ الزِّيَادَة: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا») هَكَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق: قَالَ أَبُو بَكْر اِبْن أُخْت أَبِي النَّضْر فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ مُسْلِم: تُرِيد، أَحْفَظ مِنْ سُلَيْمَان فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر: فَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة؟ فَقَالَ: هُوَ صَحِيح يَعْنِي وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيح فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَضَعهُ هَاهُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلّ شَيْء عِنْدِي صَحِيح وَضَعْته هَاهُنَا، إِنَّمَا وَضَعْت هَاهُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
فَقَوْله: قَالَ أَبُو إِسْحَاق هُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان صَاحِب مُسْلِم رَاوِي الْكِتَاب عَنْهُ.
وَقَوْله: (قَالَ أَبُو بَكْر فِي هَذَا الْحَدِيث) يَعْنِي طَعَنَ فيه، وَقَدَحَ فِي صِحَّته، فَقَالَ لَهُ مُسْلِم (أَتُرِيدُ أَحْفَظ مِنْ سُلَيْمَان؟) يَعْنِي أَنَّ سُلَيْمَان كَامِل الْحِفْظ وَالضَّبْط فَلَا تَضُرّ مُخَالَفَة غَيْره.
وَقَوْله: (فَقَالَ أَبُو بَكْر فَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة؟ قَالَ: هُوَ صَحِيح) يَعْنِي قَالَ أَبُو بَكْر: لِمَ لَمْ تَضَعهُ هَاهُنَا فِي صَحِيحك؟ فَقَالَ مُسْلِم: لَيْسَ هَذَا مُجْمَعًا عَلَى صِحَّته، وَلَكِنْ هُوَ صَحِيح عِنْدِي، وَلَيْسَ كُلّ صَحِيح عِنْدِي وَضَعْته فِي هَذَا الْكِتَاب، إِنَّمَا وَضَعْت فيه مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يُنْكِر هَذَا الْكَلَام وَيُقَال: قَدْ وَضَعَ أَحَادِيث كَثِيرَة غَيْر مُجْمَع عَلَيْهَا، وَجَوَابه أَنَّهَا عِنْد مُسْلِم بِصِفَةِ الْمُجْمَع عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَم تَقْلِيد غَيْره فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح هَذَا السُّؤَال وَجَوَابه.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله: (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) مِمَّا اِخْتَلَفَ الْحَافِظ فِي صِحَّته، فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَن الْكَبِير عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين وَأَبِي حَاتِم الرَّازِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَافِظ أَبِي عَلِيّ النَّيْسَابُورِيّ شَيْخ الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ أَبُو عَلِيّ الْحَافِظ: هَذِهِ اللَّفْظَة غَيْر مَحْفُوظَة، قَدْ خَالَفَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ فيها جَمِيع أَصْحَاب قَتَادَة، وَاجْتِمَاع هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظ عَلَى تَضْعِيفهَا مُقَدَّم عَلَى تَصْحِيح مُسْلِم، لاسيما وَلَمْ يَرْوِهَا مُسْنَدَة فِي صَحِيحه.
وَاَللَّه أَعْلَم.
باب التشهد في الصلاة
باب التشهد في الصلاة
باب التشهد في الصلاة