📁 آخر الأخبار

باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها

 

 باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها

 باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها


4634- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَامَتْ الرَّحِم، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَام الْعَائِذ مِنْ الْقَطِيعَة، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَك، وَأَقْطَع مَنْ قَطَعَك؟ قَالَتْ: بَلَى.

قَالَ: فَذَلِكَ لَك» وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «الرَّحِم مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ تَقُول: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّه، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه» قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: الرَّحِم الَّتِي تُوصَل وَتُقْطَع وَتُبَرّ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي، لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرَابَة وَنَسَب تَجْمَعهُ رَحِم وَالِدَة، وَيَتَّصِل بَعْضه بِبَعْضٍ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الِاتِّصَال رَحِمًا.

 وَالْمَعْنَى لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْقِيَام وَلَا الْكَلَام، فَيَكُون ذِكْر قِيَامهَا هُنَا وَتَعَلُّقهَا ضَرْب مَثَل، وَحُسْن اِسْتِعَارَة عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي اِسْتِعْمَال ذَلِكَ، وَالْمُرَاد تَعْظِيم شَأْنهَا، وَفَضِيلَة وَاصِلِيهَا، وَعَظِيم إِثْم قَاطِعِيهَا بِعُقُوقِهِمْ، لِهَذَا سُمِّيَ الْعُقُوق قَطْعًا، وَالْعَقّ الشَّقّ كَأَنَّهُ قَطَعَ ذَلِكَ السَّبَب الْمُتَّصِل.

قَالَ: وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد قَامَ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة وَتَعَلَّقَ بِالْعَرْشِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانهَا بِهَذَا بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى.

 هَذَا كَلَام الْقَاضِي.

 وَالْعَائِذ الْمُسْتَعِيذ، وَهُوَ الْمُعْتَصِم بِالشَّيْءِ الْمُلْتَجِئ إِلَيْهِ الْمُسْتَجِير بِهِ.

قَالَ الْعُلَمَاء: وَحَقِيقَة الصِّلَة الْعَطْف وَالرَّحْمَة، فَصِلَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عِبَارَة عَنْ لُطْفه بِهِمْ، وَرَحْمَته إِيَّاهُمْ، وَعَطْفه بِإِحْسَانِهِ وَنِعَمه، أَوْ صِلَتهمْ بِأَهْلِ مَلَكُوته الْأَعْلَى، وَشَرْح صُدُورهمْ لِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة، وَقَطِيعَتهَا مَعْصِيَة كَبِيرَة.

قَالَ: وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب تَشْهَد لِهَذَا، وَلَكِنَّ الصِّلَة دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ بَعْض، وَأَدْنَاهَا تَرْك الْمُهَاجَرَة، وَصِلَتهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَة وَالْحَاجَة، فَمِنْهَا وَاجِب، وَمِنْهَا مُسْتَحَبّ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْض الصِّلَة لَمْ يَصِل غَايَتهَا لَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا.

قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِم الَّتِي تَجِب صِلَتهَا، فَقِيلَ: هُوَ كُلّ رَحِم مَحْرَم بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدهمَا ذَكَرًا وَالْآخَر أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتهمَا.

 فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُل أَوْلَاد الْأَعْمَام وَلَا أَوْلَاد الْأَخْوَال، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِل بِتَحْرِيمِ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا أَوْ خَالَتهَا فِي النِّكَاح وَنَحْوه، وَجَوَاز ذَلِكَ فِي بَنَات الْأَعْمَام وَالْأَخْوَال.

وَقِيلَ: هُوَ عَامّ فِي كُلّ رَحِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام فِي الْمِيرَاث، يَسْتَوِي الْمَحْرَم وَغَيْره، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك» هَذَا كَلَام الْقَاضِي.

 وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث السَّابِق فِي أَهْل مِصْر: «فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّة وَرَحِمًا» وَحَدِيث: «إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ أَنْ يَصِل أَهْل وُدّ أَبِيهِ» مَعَ أَنَّهُ لَا مَحْرَمِيَّة.

 وَاَللَّه أَعْلَم.

✯✯✯✯✯✯

‏4635- سبق شرحه بالباب.

✯✯✯✯✯✯

‏4636- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُل الْجَنَّة قَاطِع» هَذَا الْحَدِيث يُتَأَوَّل تَأْوِيلَيْنِ سَبَقَا فِي نَظَائِره فِي كِتَاب الْإِيمَان: أَحَدهمَا حَمْله عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ الْقَطِيعَة بِلَا سَبَب وَلَا شُبْهَة مَعَ عِلْمه بِتَحْرِيمِهَا، فَهَذَا كَافِر يُخَلَّد فِي النَّار، وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة أَبَدًا.

 وَالثَّانِي مَعْنَاهُ وَلَا يَدْخُلهَا فِي أَوَّل الْأَمْر مَعَ السَّابِقِينَ، بَلْ يُعَاقَب بِتَأَخُّرِهِ الْقَدْر الَّذِي يُرِيدهُ اللَّه تَعَالَى.

✯✯✯✯✯✯

‏4637- سبق شرحه بالباب.

✯✯✯✯✯✯

‏4638- سبق شرحه بالباب.

✯✯✯✯✯✯

‏4639- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقه وَيُنْسَأ لَهُ فِي أَثَره فَلْيَصِلْ رَحِمه» (يُنْسَأ) مَهْمُوز أَيْ يُؤَخَّر.

 و(الْأَثَر) الْأَجَل، لِأَنَّهُ تَابِع لِلْحَيَاةِ فِي أَثَرهَا.

 و(بَسْط الرِّزْق) تَوْسِيعه وَكَثْرَته، وَقِيلَ: الْبَرَكَة فيه.

وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الْأَجَل فَفيه سُؤَال مَشْهُور، وَهُوَ أَنَّ الْآجَال وَالْأَرْزَاق مُقَدَّرَة لَا تَزِيد وَلَا تَنْقُص، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره، وَالتَّوْفِيق لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ.

 وَالثَّانِي أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر لِلْمَلَائِكَةِ وَفِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَيَظْهَر لَهُمْ فِي اللَّوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلَّا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت} فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلَا زِيَادَة بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَة، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث.

 وَالثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد بَقَاء ذِكْره الْجَمِيل بَعْده، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ.

 حَكَاهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل وَاَللَّه أَعْلَم.

✯✯✯✯✯✯

‏4640- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي يَصِل قَرَابَته وَيَقْطَعُونَهُ: «لَئِنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلّ، وَلَا يَزَال مَعَك مِنْ اللَّه تَعَالَى ظَهِير عَلَيْهِمْ مَا دُمْت عَلَى ذَلِكَ» (الْمَلّ) بِفَتْحِ الْمِيم: الرَّمَاد الْحَارّ، و(تُسِفُّهُمْ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر السِّين وَتَشْدِيد الْفَاء، و(الظَّهِير) الْمُعِين، وَالدَّافِع لِأَذَاهُمْ.

وَقَوْله: (أَحْلُم عَنْهُمْ) بِضَمِّ اللَّام.

(وَيَجْهَلُونَ) أَيْ يُسِيئُونَ، وَالْجَهْل هُنَا الْقَبِيح مِنْ الْقَوْل، وَمَعْنَاهُ كَأَنَّمَا تُطْعِمهُمْ الرَّمَاد الْحَارّ، وَهُوَ تَشْبِيه لِمَا يَلْحَقهُمْ مِنْ الْأَلَم بِمَا يَلْحَق آكِل الرَّمَاد الْحَارّ مِنْ الْأَلَم، وَلَا شَيْء عَلَى هَذَا الْمُحْسِن، بَلْ يَنَالهُمْ الْإِثْم الْعَظِيم فِي قَطِيعَته، وَإِدْخَالهمْ الْأَذَى عَلَيْهِ.

وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لِكَثْرَةِ إِحْسَانك وَقَبِيح فِعْلهمْ مِنْ الْخِزْي وَالْحَقَارَة عِنْد أَنْفُسهمْ كَمَنْ يُسَفّ الْمَلّ.

وَقِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ مِنْ إِحْسَانك كَالْمَلِّ يُحَرِّق أَحْشَاءَهُمْ.

 وَاَللَّه أَعْلَم.


 باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها


۞۞۞۞۞۞۞۞

كتاب البر والصلة والآداب ﴿ 6 ﴾ 

۞۞۞۞۞۞۞۞



مصطفى خميس
مصطفى خميس
تعليقات