البلاغة في القرآن الكريم
رمضان .. مقتطفات بلاغية من سورة آل عمران :
{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ }
لقد عبّر السياق القرآني عن نزول الكتب السماوية بالفعلين: (نزّل) لما ذكر القرآن و(أنزل) لما ذكر التوراة والانجيل، ألا يشعرك ذلك بمعنى جليل يريد الله تعالى أن يقذفه في قلبك في هذا التغاير بين الفعلين؟ نعم، عندما استخدم الله تعالى فعل (نزّل) بالتضعيف أشعرك هذا التضعيف بالقوة والشدة زيادة عن الفعل أنزل وهذه الشدة تؤذن بقوة نزول القرآن في كيفيته وكمّيته وذلك تعظيماً لقدر القرآن وشأنه
التشبيه التمثيلي
في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ الله شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ وَالله شَدِيدُ الْعِقابِ}.
تتضمن الآية التشبيه لحال المشركين في اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي عليه السلام، وتكذيبهم بآيات الله التي جاء بها، بحال آل فرعون في تظاهرهم على موسى عليه السلام وتكذيبهم بآيات الله التي جاء بها، فوجه الشبه مركب من أمور مجتمعة هي: الانغماس في الكفر، وعداوتهم للنبي، والتكذيب بآيات الله، وليس من شيء واحد من هذه الأشياء. فالتشبيه تمثيلي.
الاحتباك
وهو الحذف من كلامين متقابلين، وكل منهما يدل على المحذوف من الآخر وهذا في قوله: {فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وَأُخْرى كافِرَةٌ} فكل منهما مبتدأ محذوف الخبر، أي فئة مؤمنة تقابل في سبيل الله، وفئة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان.
مراعاة النظير
وهو الجمع بين أمر وما يناسبه مع إلغاء ذكر التضاد لتخرج المقابلة والمطابقة، وقد جمع سبحانه في هذه الآية {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالله عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}
معظم وسائل النعيم الآيلة بالمرء إلى الانهماك في الفتنة والانسياق مع دواعي النفوس الجموحة، وقد زينت للناس واستهوتهم بالتعاجيب والمفاتن.
{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ}
التعبير عنهم بالموصول وجعل إيتاء الكتاب صلة له لزيادة تقبيح حالهم فإن الاختلاف ممن أوتي ما يزيله ويقطع شأفته في غاية القبح والسماجة.
- {فَإِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسابِ} في إظهار الاسم الجليل تربية للمهابة وإدخال الروعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفر إثر بيان حال أولئك المذكورين إيذان بشدة عقابهم
المجاز المرسل
في قوله: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ} أي أخلصت نفسي وقلبي وجملتي، وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، ومظهر القوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادة من السجود والقراءة وبه يحصل التوجه إلى كل شيء والعلاقة هنا الكلية.
الاستفهام
في قوله: {أَأَسْلَمْتُمْ} معناه التنديد والتعيير، أي فهل أسلمتم وعملتم بما أتاكم من البينات أو أنتم على كفركم بعد، كما يقول من لخص لصاحبه المسألة ولم يدع من طرق التوضيح والبيان مسلكا إلّا سلكه: فهل فهمتها؟ على منهاج قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} اثر تفصيل الصوارف عن تعاطي الخمر والميسر وفيه استقصارهم وتعبيرهم بالمعاندة وقلة الإنصاف وتوبيخهم بالبلادة.
الاستعارة التبعية
في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ}.
فاستعمال البشارة هنا مجازي قصد به التهكم، فالمعنى أنذرهم بعذاب أليم، لأن العذاب لا يبشر به، فاستعار التبشير للانذار بعد أن نزل التضاد منزلة التناسب تهكما. لذا كان التعبير بلفظ بشرهم أبلغ لأنه أشد لذعا وايلاما من لفظ أنذرهم الحقيقي.
الاكتفاء
في قوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} حيث خص الخير بالذّكر- وإن كان الشرّ أيضا- وقد أراد الخير والشرّ، واكتفي بأحدهما لدلالته على الآخر، كما في قوله تعالى: {سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أي والبرد. وإنما خص الخير بالذكر لأنه هو المرغوب فيه.
الاستعارة التصريحية
{ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ .. }
إذا أراد بالحي والميت المسلم والكافر.
حيث قيل في تفسير هذه الآية: تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، فإذا أراد هذا المعنى كان في الآية استعارة تصريحية، وإذا أراد النطفة والبيضة كان الكلام جاريا على جانب الحقيقة، لا على جانب المجاز.
الالتفات :
{إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ}
على صيغة الخطاب بطريق الالتفات من الغيبة استثناء مفرغ من أعم الأحوال والعامل فعل النهي معتبرا فيه الخطاب كأنه قيل لا تتخذوهم أولياء ظاهرا أو باطنا في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم.
وفي قوله: {وَالله أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ} التفات من الخطاب إلى الغيبة إظهارا لغاية الإجلال.
{وَإِلَى الله الْمَصِيرُ} الإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة.
فن التوشيح
{إِنَّ الله اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ}
في الآية فن التوشيح وهو كما يقول ابن قدامة في نقد الشعر: أن يكون في أول الكلام معنى إذا علم علمت منه القافية فإن معنى اصطفاء المذكورين في الآية يعلم منه الفاصلة، لأن المذكورين صنف مندرج في العالمين
الجناس المغاير
في قوله: {فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ} وفي قوله: {وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا} وقوله: {رزقا}. و{يرزق}.
التنكير
في قوله: {رزقا} لإفادة الشيوع والكثرة، وأنه ليس من جنس واحد بل من أجناس كثيرة
التكرار
{يا مَرْيَمُ} تكرار النداء للإيذان بأن المقصود بالخطاب ما يرد بعده وأن ما قبله من تذكير بالنعم كان تمهيدا لذكره وترغيبا في العمل بموجبه.
- {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } التقديم: فقد قدم السجود على الركوع وذلك إما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك وإما لكون السجود أفضل أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع
المجاز المرسل
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} وأصل الإحساس الإدراك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة وقد أستعير استعارة تبعية للعلم بلا شبهه، وقيل: أنه مجاز مرسل عن ذلك، من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم. والداعي لذلك أن الكفر مما لا يحس
فن المشاكلة
في : {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ }
وهي: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، وقد وقعت المشاكلة في قوله تعالى وَمَكَرَ الله والمكر من حيث أنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة فلا يمكن إسناده إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة.
الاستعارة المكنية
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ الله وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ }
في الاشتراء، أي أنهم يستبدلون بما عاهدوا عليه وبما حلفوا به من الإيمان متاع الدنيا، ورأوا بذلك تحريفهم للتوراة وتبديل ما ورد فيها.
{ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}
العطف في الآية من باب عطف الخاص على العام لإظهار فضلهما على سائر الخيرات كعطف جبريل وميكال على الملائكة عليهم السلام.
وتفصيل ذلك أن الدعوة إلى الخير عامة، وإردافها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مؤذن باختصاصهما بمزيد من العناية، وإظهار فضلهما على سواهما من الخيرات.
المقابلة: فقد طابق بين الأمر والنهي وبين المعروف والمنكر.