ماهي فصاحة الكلام
فصاحةُ الكلامِ
تكونُ فصاحةُ الكلامِ بسلامتهِ من عيوبٍ ثلاثة ٍهي
- تنافرُ الكلماتِ.
- ضَعفُ التأليفِ.
- التعقيدُ.
تنافُر الكلمات
فلا يكونُ اتصالُ بعضها ببعض مما يسببُ ثقلها على السمعِ، وصعوبةَ أدائها باللسان،
(وإن كانَ كلُّ جزءٍ منها على انفراده فصيحاً)
- كالشطرِ الثاني في قول الشاعر:
وَقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرٍ
وَليس قَربَ قبرِ حربٍ قبرُ
وكالشطرِ الأولِ في قول أبي تمَّام:
كَرِيمٌ مَتّى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرَى.
مَعِي وَإذَا مَا لمتهُ لمُتهُ وَحدِي
فإنَّ في قوله أمدحُه ثقلاً ما لما بين َالحاء والهاء من تنافرٍ.
ضعفُ التأليفِ
هو خروجُ الكلام عن قواعدِ اللغة المطَّردة المشهورةِ، كأن يكونَ الكلامُ جارياً على خلافِ ما اشُتهرَ من قوانينِ النحو المعتبرةِ عند جُمهور العلماء - كوصلِ الضميرين، وتقديمِ غير الأعرافِ منهما على الأعراف - مع أنه يجبُ الفصلُ في تلك الحالةِ، كقولِ الشاعر:
جَزَى بَنُوهُ أبا الْغيْلانِ عنْ كِبَرٍ
وَحُسْنِ فِعْلٍ كَما يُجْزَى سِنِّمارُ
والعيبُ أعاد الضمير في بنوه على أبي غيلانَ وهو متأخرٌ لفظاً ورتبة، لأنه مفعولٌ به، ورتبتهُ التأخيرُ، وكقول حسانِ بن ثابتٍ - رضي الله عنه:
وَلَوْ أَنَّ مَجداً أَخلَدَ الدَّهْرَ واحِداً.
مِنَ النَّاسِ، أَبقى مَجْدُهُ الدَّهرَ مُطْعِما
والعيبُ فيه أنَّ الشاعر أعاد الضميرَ في مجده على مطعِم، وهو متأخرٌ لفظاً ورتبةً، لأنه مفعولٌ به، ورتبته التأخيرُ.
التعقيدُ
وهو نوعانِ: التعقيدُ اللفظيُّ، والتعقيدُ المعنويُّ:
التعقيدُ اللفظيُّ:
هو أنْ يكون الكلامُ خفيَّ الدّلالة على المعنى المراد به - بحيث تكونُ الألفاظُ غيرَ مُرتبةٍ على وفق ترتيبِ المعاني.
وينشأُ ذلك التّعقيدُ من تقديمٍ أو تأخيرٍ أو فصلٍ بأجنبيٍّ بين الكلماتِ التي يجبُ أن تتجاورَ ويتصلَ بعضُها ببعض كقولِ المتنبي:
جفَخَتْ وهُم لا يجْفَخون بهابِهم.
شيَمٌ على الحسَب الأغرِّ دلائلُ
أصل - جفخت (افتخرت) بهم شيمَ دلائل على الحسب الأغرِّ هم لا يجفخون بها.
- ومثل:
(ما قرأ إلا واحداً محمدٌ مع كتاباً أخيه)، كان هذا الكلام ُغيرَ فصيح، لأن فيه تعقيداً لفظيًّا، ولكن التعبيرَ الفصيحَ هو (ما قرأ محمدٌ مع أخيهِ إلا كتاباً واحداً).
التعقيدُ المعنويُّ
أن يكون الكلامُ خفيَّ الدَّلالة على المعنى المرادِ - بحيث لا يفْهم معناه إلاّ بعدَ عناءٍ وتفكيرٍ طويلٍ، مثال ذلك قول امرئ القيس:
وأَرْكَبُ في الرَّوْعِ خَيْفَانَةً.
كَسَا وَجْهَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ
الخيفانةُ الجرادةُ، وكنَّى هنا عن الفرسِ الخفيفةِ، والسعفُ المنتشرُ الشَّعرُ يكسو وجهَها فقبيحٌ، وكما في قول عبّاس بن الأحنَف:
سَأطلُبُ بُعدَ الدَّارِ عَنْكم لِتقْرُبوا.
وَتَسْكُبُ عَيْنايَ الدُّموعَ لِتَجْمُدَا
جعلَ سكبَ الدُموع كنايةً عمّا يلزمُ في فراقِ الأحبَّة من الحُزن والكمد، فأحسنَ وأصابَ في ذلك، ولكنَّه أخطأ في جعل جمودِ العينِ كنايةً عمَّا يوجبُه التَّلاقي من الفرحِ والسُرُور بقُرب أحبتّهِ، وهو خفىٌّ وبعيدٌ - إذ لم يعرفْ في كلام العربِ عند الدُّعاءِ لشخصٍ بالسرور
- (أنْ يقالَ له: جُمدتْ عينُك)
أو لا زالتْ عينُك جامدةً، بل المعروفُ عندهم أنَّ جمودَ العين إنّما يكنَّى به عن عدمِ البكاءِ حالةَ الحزن، كما في قول الخنساء:
أَعَينَيَّ جُودَا ولا تَجْمُدا.
ألا تَبْكِيانِ لِصَخْرِ النَّدَى